جريدة الراي الكويتية - الصفحة الرئيسية
البحث
الصلاة
الوفيات
الأربعاء 22 نوفمبر 2017
العدد 14023

إختر القسم »

بريطانيا تحتاج إلى نقد للذات


مقالات -   /  824 مشاهدة   /   25
شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس
+ تكبير الخط - تصغير الخط

مرّة أخرى يضرب الإرهاب في قلب بريطانيا. بعد التفجير الذي استهدف حفلة موسيقية في مانشستر، هناك ثلاثة أشخاص كانوا في «فان» حاولوا دهس مارة عند جسر لندن ثم نزلوا منه وهاجموا أبرياء مستخدمين سكاكين. كانت الحصيلة سبعة قتلى وعشرات الجرحى بين اناس عاديين ذنبهم الوحيد انّ لديهم حبا لثقافة الحياة وتعلّقا بها. هناك إصرار على الانتقام من دولة حضارية ذنبها الوحيد انّها أظهرت مقدارا كبيرا من التسامح مع الجاليات الأجنبية ووفّرت لكل طالب لجوء هارب من الانظمة الديكتاتورية ما يحتاج اليه، بما في ذلك فرص العمل والقدرة على الاستفادة من نظامها التعليمي.

الأكيد ان الإرهاب لن يهزم بريطانيا. ستبقى لندن التي انتخبت رئيس بلدية مسلما من أصول باكستانية، اسمه صديق خان، رمزا لمقاومة الإرهاب. كان مؤسفا ان صديق خان لم يستطع اظهار استيعابه الكامل لمعنى ما حدث في المدينة بعد الحادث الثاني من نوعه، خلال فترة قصيرة، اذ كان الحادث الاوّل قرب مجلس العموم. لكنّ الامل يبقى معلّقا على وجود مؤسسات بريطانية عريقة تعرف الدفاع عن الديموقراطية التي عمرها مئات السنين. كذلك، تعرف هذه المؤسسات كيف الردّ على الإرهاب بعدم التراجع امامه والقيام بعملية نقد للذات في مرحلة معيّنة. ستشمل عملية النقد للذات، التي ربّما بدأت فعلا، مدى التقصير البريطاني في الاستخفاف بظاهرة الإرهاب، خصوصا لدى التساهل مع جماعة مثل الاخوان المسلمين ولدت كلّ التنظيمات السنّية المتطرّفة من رحمها.

في انتظار كشف هوية المجرمين الذين هاجموا المارة فوق جسر لندن، ليس مفهوما بعد كيف يمكن لشاب ليبي في الثانية والعشرين من العمر، هرب والده من نظام القذافي وامّنت له الدولة البريطانية كل الأسباب التي تجعل منه انسانا محترما، ان يفجّر نفسه باسم الإسلام في حفلة موسيقية في مانشستر. لماذا هذا الشاب حاقد كلّ هذا الحقد على المجتمع الذي تربّى فيه وامّن له حدا ادنى من الحياة الكريمة في حين كان والده في وضع لا يحسد عليه لو بقي في ليبيا ايّام «جماهيرية» القذّافي؟

هناك جانبان للمشكلة. يتعلق الاوّل بتساهل السلطات البريطانية مع المدارس والمساجد التي ارتادها هؤلاء الشبان والآخر برفض السلطات المختصّة اتخاذ إجراءات جذرية في حقّ التنظيمات الإسلامية المتطرّفة. تلك التنظيمات التي ولدت من رحم الاخوان تحديدا، بدءا بـ«القاعدة» وصولا الى «داعش». من المضحك المبكي لجوء الاخوان الى ادانة العمل الإرهابي الذي تعرّضت له لندن لاظهار نفسها في مظهر من لا علاقة له بالاسباب العميقة التي أوصلت قسما من المسلمين في بريطانيا الى ما وصلوا اليه.

كانت بريطانيا تريد ان تظهر في كلّ وقت انّها مختلفة وان لا حدود للتسامح في المملكة المتحدة التي تعطي جنسيتها لكلّ من تتوافر لديه الشروط اللازمة للحصول عليها بغض النظر عن الدين والجنس واللون. هناك قانون يسرى على الجميع في بريطانيا ولكن هذا لا يعني انّه كان ضروريا في كلّ وقت كلّ هذا التساهل مع الاخوان المسلمين الذين تسلّلوا الى كل وسائل الاعلام وراحوا يروّجون لافكارهم، عبر فضائيات تبث من العاصمة البريطانية او حتّى من خلال هيئة الاذاعة البريطانية «بي. بي. سي».

في احدى المرّات، ظهر على إحدى القنوات التلفزيونية العربية من استديوهاتها في لندن، «شيخ» مصري يدعى هاني السباعي لديه مركز دراسات يدافع بكلّ بساطة عن إرهابي مثل أسامة بن لادن ويروّج لافكاره ولـ«القاعدة». ردّ على ان احد محاوريه الذين اعترضوا على ما يقوم به بن لادن، الذي كان لا يزال حيّا، بانّه لا يدخل في جدل مع «نصراني». هكذا، صار كافيا ان يكون المحاور مسيحيا كي لا يعود يستحقّ الرد عليه من السباعي.

نعم حصل ذلك في لندن، حيث هناك «شيخ» مصري لا يزال يقيم على حساب دافع الضرائب البريطاني ويسمح لنفسه بالدفاع عن مجرم وارهابي مثل بن لادن ويرفض الدخول في حوار مع شخص عربي، من منطلق انّ هذا الشخص مسيحي. لم يقفل مركز الدراسات الذي كان يمتلكه هذا «الشيخ» ويدعى «مركز المقريزي للدراسات التاريخية» الّا في العام 2015. ما هو مؤسف اكثر ان رجلا من هذا النوع نعى مركزه في خطبة لا تزال على «يوتيوب» يهاجم فيها بريطانيا على طريقته وذلك على خلفية نشيد من الاناشيد التي كانت تعتمدها «القاعدة» في حملاتها الإعلامية!

كان هناك في كلّ وقت في بريطانيا بحث عن هويّة جديدة لمملكة يسير فيها الشرطي الملتحي الى جانب الشرطي العادي وتستقبلك شرطية محجبة لدى وصولك الى المطار. هناك رغبة بريطانية واضحة في تأكيد ان تحولات جذرية طرأت على المجتمع البريطاني الذي صار مجتمعا متنوعا يحق فيه لكل فرد، حتّى لو كان شرطيا، اظهار تميّزه، عبر لحية او ما شابه ذلك. هذا شيء لكن السماح بتسلّل الإرهابيين الى مواقع حساسة وحمايتهم من ملاحقة دول عربية معيّنة لهم يظلّ شيئا آخر.

لا يمكن للعمليات الإرهابية ان تغيّر شيئا في بريطانيا، بدليل ان الانتخابات النيابية ستجري في موعدها يوم الثامن من يونيو. ولكن لا يمكن أيضا للامور ان تبقى على حالها في بلد يتبيّن فيه يوميا ان المتطرفين باتوا يمتلكون شبكات خاصة بهم تمكنهم من الحصول على المواد المتفجرة التي يحتاجون اليها. الأخطر من ذلك، كما ظهر من جريمة جسر لندن، ان هناك قدرة لدى الإرهابيين على تنظيم صفوفهم. لم تعد العمليات الإرهابية مقتصرة على افراد يفجرون انفسهم. هناك ثلاثة اجتمعوا وصعدوا في «فان» وهاجموا الناس الذين كانوا يعبرون الجسر في منطقة معروف انّها تضم عددا كبيرا من المطاعم والملاهي.

هناك بكل بساطة جزء مريض في المجتمع البريطاني المسلم. يقع قسم من المسؤولية في ذلك على السلطات البريطانية نفسها التي ارادت، ربّما، استغلال المعارضة في بعض البلدان لأغراض خاصة بها. غضّت الطرف عن خطورة ما تبثّه فضائيات من لندن وحتى عن تسلّل متطرفين إسلاميين الى بعض وسائل الاعلام... فهل تعيد بريطانيا النظر في هذه السياسة التي قد لا تكون بريئة بالضرورة؟

ثمّة حاجة الى إعادة النظر في هذه السياسة، اقلّه من اجل التفرّغ لمعالجة ظاهرة في غاية الخطورة تتمثل في الأسباب التي تدفع شبانا مسلمين من مواليد بريطانيا الى الالتحاق بـ «داعش» او القيام باعمال إرهابية داخل المملكة المتحدة نفسها. هذا سؤال يصعب في الوقت الحاضر الإجابة عنه، وهو يشمل بالطبع سؤالاً آخر من نوع لماذا الباكستاني الذي هاجر الى بريطانيا في الاربعينات او الخمسينات او الستينات من القرن الماضي شخص معتدل فيما الأبناء يستهويهم بن لادن ومَنْ هم على شاكلته من الذين صنعهم في الأصل الاخوان.



الصورة ٦٠٧٣٩٤ بتاريخ الأربعاء، 7 يونيو 2017 - بريطانيا تحتاج إلى نقد للذات


شارك: شارك على فيس بوكشارك على تويترشارك على غوغل بلس



إقرأ أيضاً